معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 662
مبتعدا عنّي كلّ ما كان لي من قوّة وقهر. وإن كان من أصحاب الحجّة والجدل قال: فني مبتعدا عنّي كلّ ما كنت أحاجج به وأجادل، فقد ظهر الحقّ للعيان، وأسكت الواقع كلّ لسان. وإن كان من أصحاب الملك والولاية على الناس قال: فني مبتعدا عنّي ملكي، وصرت كأقلّ النّاس وأضعفهم منبوذا، لا أحد يعبأ بأمري أو نهيي، بل الجميع ينظرون إليّ نظر احتقار وإهانة وإذلال.
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ: أي: يقول اللّه عزّ وجلّ للملائكة المأمورين بتعذيبه: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ: أي: خذوه فاجعلوا الغلّ محيطا برقبته، الغلّ:
طوق من حديد أو جلد، يجعل في عنق الأسير ونحوه، أو في يديه، وقد تجمع يد المغلول إلى عنقه وتطوّقان بالغلّ، وتعقد بالغلّ سلسلة من حديد أو غيره لجرّه بذلك.
يقال لغة:"غلّه، يغلّه"أي: وضع الغلّ في عنقه، أو يده.
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) : أي: ثمّ بعد أن تمرّوا به مغلولا مهانا في أرض المحشر؛ أدخلوه في الجحيم ليحترق بنارها.
يقال لغة:"أصلاه النّار، وأصلاه بها وفيها، وكذلك صلّاه"أي:
أدخله في النّار ليحترق بلهبها وبجمرها.
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (32) : يقال لغة:"سلك الشّيء في الشّيء"أي: أدخله فيه وجعله يعبره، وإدخال هذا الكافر المعذّب في السّلسلة؛ يجعلنا ندرك أنّها سلسلة من نوع خاصّ، فهي أنابيب حديديّة موصول بعضها ببعض وفق نظام السّلاسل، فهي تتحرّك مثل تحرّك السّلاسل، وتحمى في الجحيم هذه السّلسلة، ويسلك المعذّب في هذه الأنابيب المحماة زيادة في تعذيبه.
يقال لغة:"ذرع الثّوب ونحوه، ذرعا"أي: قاسه بالذّراع، فمعنى:
ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا: قياسها مقدار سبعين ذراعا.