معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 197
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) . أي: فذكّر أيّها الدّاعي المذكّر بما سبق أن بلّغته عن ربّك، ودعوت إليه، وبيّنته بأدلّته وبراهينه، وبما سبق أن استثرت به محوري الخوف والطمع بالترغيب والترهيب، ما بقي لديك أمل باستجابة من تذكّره، وإن كان أملا ضعيفا مشكوكا بتحقّقه، أخذا من حرف"إن"في قوله تعالى: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أو نقول: إن نفعت الذكرى السابقة أقلّ نفع، وأثّرت أدنى أثر.
الذّكرى: اسم للتذكير.
وجاء في هذا التوجيه بيان أنّ الذّكرى ستنفع من يكون في نفسه خوف وخشية، فإذا استشعر الداعي ذلك فليتّخذ إلى نفس من يدعوه أو يذكّره مثيرا يستثير به كوامن الخشية لديه إن بقيت لديه منها بقيّة.
التوجيه الثاني:
ثم أنزل اللّه عزّ وجلّ قوله في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29)
أي: فاكتف بالنسبة إلى هذا المتولّي المدبر بمنزلة الإعراض فقط، وهو الحالة الوسطى بين المواجهة والإدبار، بشرط أن يكون قد ثبت لك بالمعالجة المتكرّرة أنّه لم يرد إلّا الحياة الدنيا.
التوجيه الثالث:
ثم أنزل اللّه عزّ وجلّ في سورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) قوله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم لكل داع إلى اللّه من أمّته من بعده:
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ أي: فتابع تذكيرك بالقرآن من تتفرّس فيه أنّه يخاف وعيد اللّه بعذابه العاجل أو الآجل.
ويفهم من هذا أنّ من تتيقّن أنّه لا يخاف وعيد اللّه فإنّ التّذكير لا ينفع فيه.