معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 698
ذكر طائفة من المفسّرين أنّ المشركين (أي: أئمّتهم) كانوا يجتمعون جماعات عن يمين الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وشماله، ويستمعون كلامه ويكذّبونه، ويستهزئون بالمؤمنين، ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنّة كما يقول محمّد؛ فلندخلنّها قبلهم، وليكوننّ لنا فيها أكثر ممّا لهم، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذا البيان.
إنّ هؤلاء الّذين كفروا يرون أنّهم أرفع في تكوينهم من المسلمين إذ فضّلهم الخالق في الحياة الدّنيا، بأموالهم ومكاناتهم الاجتماعيّة على المؤمنين أتباع محمّد- صلّى اللّه عليه وسلّم-، فلئن صحّ ما يقوله محمّد- صلّى اللّه عليه وسلّم- بشأن البعث والحياة الأخرى، والجنّة والنّار؛ فلا بدّ- في زعمهم- أن يدخلهم اللّه الخالق يوم الدّين الجنّة، ولا بدّ أن يكون لهم في الجنّة أكثر ممّا يكون للمؤمنين بمحمّد- صلّى اللّه عليه وسلّم-، لأنّ اللّه ميّزهم في الخلق وفي الّذي وهبهم إيّاه من أموال ومكانة اجتماعيّة في حيواتهم.
فمن الحكمة أن يكون التّعقيب الرّبّاني ملائما لما توهّموه لأنفسهم:
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (37) :
أي: أيّ شيء هو لهؤلاء الّذين كفروا مستكبرين بامتياز ذواتهم، الأمر الّذي جعلهم يقبلون يا محمّد إلى مجالسك الدّعويّة مهطعين، ويجلسون عن يمينك وشمالك جماعات، ويستهزئون بالمؤمنين قائلين: لئن دخل هؤلاء الجنّة كما يقول محمّد، فلندخلنّها قبلهم، وليكوننّ لنا فيها أكثر ممّا لهم؟؟!.
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ: استفهام تعجيبيّ من طمعهم هذا. أي: كيف يستقيم لهم هذا الطمع، وهم كافرون باللّه ربّهم، وبكتابه، وبرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو الّذي أعدّ جنّة نعيم لمن آمن به وأسلام واتّقى؟!!.