معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 699
وأعدّ دار عذاب لمن كفر به وأدبر وتولّى عن دعوة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) : أي: إنّا خلقناهم مثلما خلقنا سائر النّاس ومنهم المؤمنون، من ماء مهين، متسلسل من ماء وطين، وليست لهم ميزة ما على غيرهم من البشر، أمّا التّوسعة لهم في الأموال، وتمييزهم بمكانة يحرص عليها طلّاب الزّعامات؛ فالمقصود من ذلك اختبارهم في ظروف الحياة الدّنيا، أيكونون من المؤمنين، أم من الكافرين؟، أيكونون من الجاحدين أم من الشّاكرين؟.
وإذ أثبتوا أنّهم كافرون جاحدون كان العدل يقتضي خلودهم في عذاب النّار.
ويقسم اللّه تبارك وتعالى بقسم منفيّ بحرف النّفي"لا"مراعاة لاعتبارين سبق بيانهما عند تدبّر قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38) وَما لا تُبْصِرُونَ (39) من سورة (الحاقّة/ 78 نزول) فيقول عزّ وجلّ:
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (40) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) :
لم يكن المخاطبون إبّان التّنزيل يعلمون أنّ للشّمس مشارق ومغارب، بحسب حركة الأرض الدّورانيّة، بتقدير اللّه وقضائه وحكمته، فكان القسم بربّ المشارق والمغارب غير مفيد لهم توكيدا، فكانت مراعاتهم تقتضي نفي القسم بالمشارق والمغارب، لكن سيأتي من يدرك هذه الحقيقة من حقائق نظام الكون، فكان الحلّ ذكر القسم بربّ المشارق والمغارب، ونفي القسم بحرف النّفي"لا"، فهو يقسم لمن يفيده القسم توكيدا، ولا يقسم لمن لا يفيده القسم التوكيد.
والخبر المؤكّد بالقسم؛ هو قدرة اللّه على خلق بشر خير في تكوين