معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 202
والقرائن في هذه الآية تدلّ على أنّ المراد الذين لديهم الاستعداد لأن يؤمنوا مستقبلا، إذ الحديث يتعلق بتذكير الذين لم يستجيبوا بعد للدّعوة إلى الإيمان.
التوجيه الحادي عشر:
ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) قوله لرسوله فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته:
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) .
ففي هذا النّصّ توجيه لدعوة آخرين لم يصلوا بعد إلى دركة الرّفض والإعراض، ولم يصلوا حتما إلى دركة التولّي والشقاق والعداء والاستعداد للمقاومة والحرب.
وما جاء في هذه الآية هو الأسلوب الذي يجب اتخاذه بالنسبة إلى كلّ مدعوّين أبكار، لم يبلغوا دركة الإعراض وعدم الاستجابة، سواء أَكانوا أفرادا أم جماعات، وكذلك كلّ فرد أو جماعة لم تظهر التجربة المتكرّرة عدم استجابتهم.
التوجيه الثاني عشر:
ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ في سورة (السجدة/ 32 مصحف/ 75 نزول) قوله لرسوله:
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) .
جاء هذا التوجيه في مقابلة الّذين أعرضوا عن آيات اللّه، ثم تولّوا وأصرّوا على كفرهم وعنادهم، على الرغم من طول معالجتهم بالإقناع والترغيب والترهيب.
ولم يأمر اللّه رسوله بأن يتولّى عنهم، لأنّهم لم يقفوا منه ومن دعوته موقف العداء والشقاق والاستعداد للمحاربة والمقاومة.