معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 241
المحدّد بقضائه وقدره، مكّنهم من أسبابهم، وأوصلها إلى الإماتة، فالمميت في الحقيقة هو اللّه عزّ وجلّ بقضائه وقدره وفعله، وأمره أو إذنه.
على أنّ المتعدّي من الناس بالقتل يتحمّل مسؤوليّته كاملة، لأنّه عصى وأجرم باتّخاذ الأسباب.
الوجه الثاني: إذا لم يكن للّه عزّ وجلّ إرادة في الإماتة، صرفهم اللّه، أو لم يمكّنهم من اتّخاذ الأسباب، أو قطع أسبابهم من أوساطها، أو لم يوصلها إلى الإماتة بألطافه الخفيّة.
فَأَقْبَرَهُ: أي: واراه في قبر تكريما لجسده عن أن تنتشر رائحة ما يتفسّخ منه، ويكون كجيف البهائم.
وهذا التكريم قد تمّ بشريعة الإقبار، والهداية إليه، فشريعة دفن موتى الناس في القبور مما اتفقت عليه جميع الشرائع الرّبّانيّة، منذ عهد الإنسان الأول، أخذا من الخطاب الشامل للإنسان بوجه عامّ، ويؤكّد هذا قصّة ابني آدم قابيل وهابيل، إذ لمّا قتل قابيل هابيل تحيّر كيف يواري سوأة أخيه، حتّى بعث اللّه له غرابا يهديه إلى إقباره، بما فعل بغراب ميّت.
قال اللّه عزّ وجلّ بشأن القاتل منهما لأخيه في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)
وابتدع الهنادكة في الهند إحراق موتاهم، وابتدع مجوس الفرس إلقاء موتاهم لسباع الطير، وكذلك بعض أهل الجاهلية العربية، وكرم اللّه جسد الإنسان بالإقبار، هداية وتشريعا.