معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 242
* قول اللّه عزّ وجلّ: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (23) :
أي: ثمّ بعد مرور زمن البرزخ الفاصل بين الموت والبعث للحياة الأخرى، وبعد زيارة القبر طوال زمن البرزخ، ينشره اللّه، ويبعثه إلى الحياة الأخرى، حياة الحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء الأمثل.
وهذا البعث هو المرحلة الرابعة من مراحل تكوين الإنسان، تنفيذا لما سبق به قضاء اللّه وقدره.
أَنْشَرَهُ: أي: أحياه بعد الموت، تقول لغة: نشر اللّه الميّت نشرا ونشورا، وأنشره اللّه إنشارا، أي: أحياه بعد الموت.
وتقول: نشر الميّت"بصيغة الفعل اللّازم"أي: عاد إلى الحياة.
إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ: ربط اللّه الإنشار بمشيئته الّتي سوف تتوجّه مستقبلا لتنفيذ ما سبق أن تمّ به قضاؤه وقدره. أخذا من دلالة"إذا"الّتي هي ظرف لما يستقبل من الزمن، إشارة إلى أنّ وقت البعث ممّا أخفاه اللّه على كلّ خلقه، فلا يعلم وقته، ولا الأسباب ولا الأحداث الّتي قد تعطي ظنّا بوقته إلّا اللّه وحد، جلّ جلاله، وتباركت أسماؤه وصفاته.
فالمشيئة هنا مشيئة التنفيذ، لا مشيئة القضاء والقدر السابقة في خطّة التكوين، إذ إنّ وقت الإنشار مقرّر في علم اللّه سابقا.
فلا مطمع لأحد من الخلائق مهما علت منزلته عند اللّه في أن يعلم وقت الإنشار، إنّه ممّا استأثر اللّه بعلمه لمقتضيات حكمته جلّ جلاله.
كذلك أخفى اللّه عزّ وجلّ وقت السّاعة الّذي تنتهي فيه ظروف هذه الحياة الدنيا.