معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 247
عرضت هذه الآيات صورة مشهد متحرّك بديع، يقدّم أبرز أحداث فصل نباتيّ، يبدأ بالشّتاء مرورا بالرّبيع، حتّى فصل الحصاد، مع الرّتّع في خيرات الزّرع والثّمر، غذاء وفاكهة للنّاس والأنعام، ومتعة جمالية رائعة.
وفي عرض هذا المشهد البديع لفت نظر الفكر إلى بديع صنع اللّه الّذي أتقن كلّ شيء صنعا، وإلى عظيم ألطافه الخفيّة، وفيه أيضا لمس مشاعر الوجدان لمسا رفيقا حلوا، لإيقاظ دوافع شكر المنعم من أعماقه.
وفي التّفكّر في ظواهر إعداد طعام الإنسان، تستخرج أدلّة كافية للإيمان باللّه، وبكتابه، وبرسوله، وباليوم الآخر للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء، وأدلّة تهدي إلى وجوب اتّباع سبيل اللّه للنّاس في رحلة ابتلائهم عبر الحياة الدّنيا.
وهذا الإعداد يتمّ بوسيلة إنبات النبات من الأرض، القائمة على عدّة شروط ظاهرة:
الأوّل: التّراب الصالح للإنبات.
الثاني: الماء الّذي يختلط بتراب الأرض، فيمدّ البزور والجذور بما يلزم لها لتنبت.
الثالث: البزور والجذور المشتملة على الصّفات والخصائص القابلة لأن تنبت وتتنامى وتتكاثر، وتخرج من الثّمرات والخضر ما هو غذاء الإنسان والحيوان، وما هو فاكهة أو شبيه الفاكهة.
الرابع: الضّوء والحرارة اللّذان تمدّ بهما الشمس.
الخامس: الرّياح الّتي تمدّ بالغازات الّتي تحتاج إليها النباتات.
وكلّ هذه آيات من آيات خلق اللّه الّتي لا سلطان للإنسان على تكوينها، وهي من ظواهر نعم اللّه على عباده.