فهرس الكتاب

الصفحة 947 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 255

أي: ويفرّ المرء من أمّه وأبيه، وفي بيان هذا ارتقاء من الأخ، إلى الأمّ والأب اللّذان هما أكثر قرابة، وحقّهما عليه أكثر من حقّ أخيه.

وجاء في البيان تقديم الأمّ مراعاة للنّسق الجماليّ في الآيات، ولأنّ الأمّ أكثر تعلّقا بولدها مستنجدة به من الأب، ففراره منها آكد عنده.

* قول اللّه عزّ وجلّ: وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) :

أي: ويفرّ المرء من صاحبته وبنيه، وفي بيان هذا ارتقاء أيضا من الأمّ والأب، إلى الصّاحبة والبنين. لأنّ هوى الإنسان مرتبط بصاحبته الّتي يحبّها أشدّ من ارتباط عاطفته بأمّه وأبيه، ولأنّ ارتباط عاطفته ببنيه أشد من ارتباطه بصاحبته.

فالعطف ولو كان بالواو الّتي تدلّ على مطلق الجمع، إلّا أنّ ترتيب المعطوفات قد لوحظ فيه معنى الارتقاء الطبيعيّ، وهذا من بدائع الترتيب اللفظي في القرآن.

ولعلّ في اختيار كلمة وَصاحِبَتِهِ دون لفظ [زوجته] معنى مقصودا، ويظهر هذا في أمرين:

الأمر الأول: أن تكون صاحبته في الدنيا غير ذات صفة شرعيّة تجعلها زوجة له، فالعلاقة بينهما علاقة حبّ.

الأمر الثاني: أن تكون زوجته في الدنيا مكروهة له غير محبوبة، فمن شأنه أن يفرّ منها، فمن غير المناسب ذكرها في البيان.

أمّا الصاحبة فهي الحبيبة الملازمة، وفراره منها دليل على أنّه مهموم بنفسه، يبحث عن نجاته، ويفرّ من كلّ من يخشى أن يتعلّق به.

دلّت هذه الآيات من (34 - 36) على أنّ الناس يوم البعث قبل الحساب وفصل القضاء يفرّ بعضهم من بعض، حتّى إنّهم يفرّون من كلّ من كانوا أحبّاءهم في الحياة الدّنيا، لأنّهم يكونون مهمومين مشغولين بأمورهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت