معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 256
وشؤونهم الخاصّة، يخافون عذاب اللّه، ويطلبون نجاة أنفسهم، فلا يقبل أحد منهم أن يستنجد به أحد لمعاونته في شأنه، مهما كان حبيبا له، بل يفرّ منه.
وفي تفصيل من يفرّ منهم تصوير بديع للمشهد بالتعبير البياني، مع أنّ الغرض قد كان يمكن تحقيقه بتعبير عامّ مجمل لا تفصيل فيه.
* قول اللّه عزّ وجلّ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)
جاء هذا البيان بمثابة جواب سؤال يطرحه الذّهن، ولو لم يذكر في البيان، وهو: لماذا يفرّ المرء يومئذ من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبينه؟؟
والمعنى الذي دلّ عليه الجواب: لكلّ امرئ منهم من أمره الخاصّ به ما يكفيه، أي: ما يستغرق كلّ تفكير واهتمام لديه، فليس لديه زائد يساعد به غيره، ممّن يتمنّى أن يكون لديه فائض عن ضروراته القصوى، حتّى يساعده به.
إنّهم يومئذ يكونون فرادى، لا يستطيع أحد منهم أن يتعاون مع أحد، لأنّ الحساب والجزاء يوم الدّين حساب فرديّ، كما قال تعالى في سورة (المدثر/ 74 مصحف/ 2 نزول) :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) .
وكما قال تعالى في سورة (مريم/ 19 مصحف/ 44 نزول) :
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (95) .
ويزيد المجرم يومئذ فيودّ لو يفتدي من عذاب اللّه ببنيه، فضلا عن صاحبته وأخيه ومن هم أبعد من هؤلاء عنه قرابة ونسبا، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (المعارج/ 70 مصحف/ 79 نزول) :