معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 257
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) .
جاء تقديم البنين والصاحبة هنا وفق الترتيب العاطفيّ لأنّ البيان يشعر بأنّه يودّ لو يجمعهم جميعا في الفداء بوقت واحد، بخلاف الفرار فإنه يحدث مجزّأ.
* قول اللّه عزّ وجلّ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (41) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) .
بعد بيان لقطة من مشاهد يوم البعث، وهي لقطة يبرز فيها فرار كلّ إنسان من أقاربه وأحبابه، حتّى أحبّ الناس إليه في الدّنيا، فكيف يكون حاله مع سائر النّاس؟. يعرض البيان في السّورة لقطتين: لقطة تظهر فيها أمارات السّعادة والفرحة، وأخرى تظهر فيها أمارت التعاسة والشقاء.
فاللّقطة التصويريّة الأولى: جاء فيها عرض وجوه مسفرة، ضاحكة مستبشرة. إنّها وجوه أهل الإيمان والنجاة من الخلود في عذاب النار، على اختلاف درجاتهم، وطبقاتهم، ومنازلهم.
مسفرة: أي: مشرقة مضيئة. تقول العرب: أسفر الصّبح، إذا انكشف وأضاء، حتّى لا يشكّ ذو بصر خبير بأنّه صبح.
أمّا فعل"سفر"فيقال لمن كشف وجهه المغطّى، تقول العرب:
سفرت المرأة، إذا ألقت نقابها أو برقعها عن وجهها.
مستبشرة: أي: فرحة منبسطة ذات بشر، لأنّها مبشّرة بالنّعيم المقيم في الجنّة دار المتقين.
وما يظهر على الوجوه، إنّما هو تعبير عمّا في نفوس أصحاب هذه الوجوه من فرح وطمأنينة بعفو اللّه وغفرانه وجنّته. وهو علامة على أنّ