معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 261
(11) الملحق الثاني حول كون وظيفة القرآن والرسول وظيفة بيان وتذكير
لقد خلق اللّه الإنسان ليبلوه (أي: ليمتحنه) في ظروف الحياة الدّنيا، فاستدعى ذلك أن يمنحه حرّيّة الاختيار، بجهاز في نفسه يختار به ما يشاء، ضمن المجالات التي مكّنه من التحرّك فيها في حياته، واستدعى ذلك أيضا أن يشعره بأنّه يستطيع تحقيق مراداته، وذلك بتسخيره الأشياء له، ممّا هو داخل في ذاته أو خارج عنها.
والتسخير إنما يتمّ بخلق اللّه، وأعمال المسخّرات إنما تتم بقضاء اللّه وقدره وقدرته وخلقه، لتحقيق مرادات الإنسان الموضوع موضع الامتحان.
وإعطاء الإنسان المخلوق للامتحان حرّيّة الاختيار يتنافى مع إكراهه بالجبر على أن يختار فعل أو ترك الخير الذي يجب عليه أن يفعله، أو فعل أو ترك الشّرّ الذي يحرم عليه أن يفعله، أو فعل أو ترك المباح المأذون له بأن يفعله أو يتركه.
فجاء البيان الرّبّانيّ بأنّه لا إكراه في الدين. وهذا يستدعي باللّزوم العقلي أن تترك للإنسان حرّيّة الاختيار، لا على معنى الإباحة، ولكن على معنى التمكين المستتبع بالمسؤوليّة، والحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء. بالثواب أو بالعقاب.
ويلزم من كلّ ما سبق عقلا أن تكون وظيفة حامل الرسالة الرّبّانيّة للناس، وأن تكون وظيفة نصوص الرسالة الرّبّانيّة للنّاس، التبليغ، والتعليم، والشرح، والبيان، والإقناع بمختلف وسائل الإقناع، والترغيب والترهيب، والتذكير ما دام احتمال نفع التذكير قائما غير ميؤوس منه، والانذار أخيرا