فهرس الكتاب
لماَّ ذكر إذاقة الإنسان الرّحمة وإصابته بضدّها، أتبع ذلك أنّ له الملك [وقسم] النّعمة والبلاء كيف شاء.
فخصَّ في هبة الأولاد بعضاً بالإناث، وبعضاً بالذّكور، وبعضاً بالصّنفين، ويعقّم بعضاً.
وقيل: نزلت في الأنبياء - عليهم السلام -، وَهَبَ لشعيب ولوط إناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وإناثاً، وجعل يحيى وعيسى عقيمين.
وإنّما قدّم الإناث، ثمّ رجع وقدّم الذّكور، وعرَّف الذّكور بعد ما نكّر الإناث ليلي الجنس الّذي تعدّه العرب بلاءً، وهو الإناث، البلاء المذكور في آخر الآية الأولى، ثم تدارك بالتّعريف الّذي هو تنويه وتشهير تأخير الذّكور مع أنّهم أحقاء بالتّقديم، ثمّ قدّم من الجنسين أحقّهما بالتّقديم، فقال: {ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا} لفقد ذلك المقتضى.
وفيه بحث, إذ يمكن معرضته بأنّ الآية السّابقة ذُكِر فيها الرّحمة مقدّمة على البلاء، فناسب هذا تقديم الذّكور على الإناث. لا يقال: سياق الكلام أنّه فاعل ما يشاء، لا ما يشاء الإنسان، فكان ذِكْرُ ما لا يشاؤه الإنسان لا أنّه يفعل ما لا يشاؤه الإنسان.
فإن قلت: إنّه فاعل ما يشاء هو، وقد شاء تقديم الإناث، قلنا: شاء لحكمة، أو لا لحكمة؟ فإن كان الثّاني سقط أصل سؤال حكمة تقديم الإناث، وإن كان الأوّل كفت تلك الحكمة لتقديم الإناث بدون هذا التّطويل والتمحّل.
والأولى أن يقال: قدّم الإناث توصية برعايتهنّ لضعفهنّ، لا سيما وكانوا قريبي العهد بالوأد،