خطب عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه ، وأؤمن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليُزِيح به علّتكم ، وليوقظ به غفلتكم ، واعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت ، وموقفون على أعمالكم ومَجْزِيُّون بها ، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ، فإنها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، وكل ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لا تدوم أهوالها ، ولن يسلم من شرها نُزّالها ، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور ، أحوال مختلفة وتارات متصرّفة ، العيش فيها مذموم ، والرخاء فيها لا يدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدَفة ، ترميهم بسهامها ، وتقصمهم حمامها ، وكلٌّ حتفه فيها مقدور ، وحظه فيها موفور ، واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشدّ منكم بطشا ، وأعمرُ ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصْبَحَتْ أموالهم هامدة من بعد نُقْلَتِهم ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية ، فاستَبْدَلوا بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والأحجار في القبور التي قد بُني على الخراب فناؤها ، وشُيِّد بالتراب بناؤها ، فمحَلّها مقترِب ، وساكنها مغترِب بين أهل عمارة مُوحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان على ما بينهم من قُرْب الجوار ، ودُنوّ الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البِلى ؟ وأظلتهم الجنادل والثرى ؟ فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رُفاتا ، فُجِع بهم الأحباب ، وسَكَنُوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات ، كلا إنها كلمة ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ، وكأنْ قد صِرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى ،