يُبيِّن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة ؛ إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، أو كالرَّقْمَة في ذِراع الحمار . رواه البخاري ومسلم .
إذا كانت هذه الأمة بالنسبة للأمم السابقة بهذه الصورة ، فكيف بِسَواد هذه الأمة وكثرتها من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمان تَظهر فيه"انفلونزا الطيور"؟!
وما زال الناس يأكلون الطيور إلاَّ ما نَدَر ، فأين هو ذلك الاشتياق ؟!
ولو أردنا أن نُقدِّر النسبة بين مَن حُرِم أكل لحوم الطيور ، وبين من لم يُحرَم منها ، فسوف تكون النسبة ضئيلة جدا بالنسبة لِعموم هذه الأمة ، فضلا عن نسبتهم بالنسبة لِمن يدخل الجنة من الأمم الماضية .
الرابع: أن لفظ ( يشتهون ) لم يَرِد في الطيور فحسب ، بل هو وارد في غيرها من اللحوم والفواكه مما نَفَاه الباحث !
وذلك كقوله تعالى في الفواكِه: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) .
قال ابن كثير: أي: وألحقناهم بِفواكه ولُحُوم مِن أنواع شَتى مما يُستطاب ويُشْتَهَى . اهـ .
وكقوله تعالى في الفواكه: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ(41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ) .
بل جاء اللفظ بِما هو أعَمّ من ذلك في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ) ، وقوله سبحانه وتعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ) .
فلم يقتصر الأمر على"الطيور"بل جاء في عموم اللحوم والفواكه ، بل في كل ما تشتهيه نُفوس المؤمنين في الجنة .
فلا يَصِحّ القول إذًا أن قوله تعالى: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) يُراد به"انفلونزا الطيور"، ولا أن في الآية إشارة إليه ، لا مِن قريب ولا مِن بعيد ؛ لِمَا ذُكِر أعلاه .
وعلى الإنسان أن يتريّث في القول بِتفسير القرآن ، وأن لا يقول فيه بِرأيه .