وقال أيضا: ومن حكمته سبحانه ما منعهم من العلم علم الساعة ومعرفة آجالهم وفي ذلك من الحكمة البالغة مالا يحتاج إلى نظر فلو عرف الإنسان مقدار عمره فإن كان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش وكيف يتهنأ به وهو يترقّب الموت في ذلك الوقت ، فلولا طول الأمل لخربت الدنيا ، وإنما عمارتها بالآمال ، وإن كان طويل العمر وقد تحقق ذلك فهو واثِق بالبقاء فلا يُبالي بالانهماك في الشهوات والمعاصي وأنواع الفساد ، ويقول: إذا قَرُب الوقت أحدثتُ توبة ، وهذا مذهب لا يرتضيه الله تعالى عز وجل من عباده ، ولا يَقْبله منهم ، ولا تصلح عليه أحوال العالم ، ولا يصلح العالم إلاَّ على هذا الذي اقتضته حِكمته ، وسَبق في عِلْمه ، فلو أن عبدا من عبيدك عمل على أن يُسخطك أعواما ثم يرضيك ساعة واحدة إذا تيقن أنه صائر إليك لم تقبل منه ، ولم يَفُز لديك بما يفوز به من همه رضاك ، وكذا سُنة الله عز وجل أن العبد إذا عاين الانتقال إلى الله تعالى لم ينفعه توبة ولا إقلاع ...
إلى أن قال رحمه الله: فَبَانَ أن من حكمة الله ونِعمه على عباده أنْ سَتَر عنهم مقادير آجالهم ومبلغ أعمارهم ،فلا يزال الكيِّس يترقّب الموت وقد وضعه بين عينيه فَيَنْكَفّ عما يضره في معاده ، ويجتهد فيما ينفعه ويُسرُّ به عند القُدوم .والله تعالى أعلم .
(...السؤال...)