فتذكرت عندها قول الله: ( لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون ) .
ولكني ألتمس الحكمة من ذلك ، فإن الحكيم سبحانه منزه عن العبث ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) ؟ ، والحكيم لا يفعل فعلًا ولا يأمر بأمر إلا لحكمة بالغة .
وتذكرت عندها قول الشاعر:
لا تجزعنّ لمكروه تُصاب به فقد يؤدّيك نحو الصحة المرضُ
واعلم بأنك عبدٌ لا فكاك له والعبد ليس على مولاه يعترض
نعم . قد يؤديك المرض نحو الصحة ، وكما قيل:
فربما صحت الأبدان بالعلل .
فكم من مرض ذفع الله به أمراضا كُثُر .
وكم من علة كانت سبب شفاء أمراض أخرى .
فكم محنة في طيها منحة ، ورب علة كانت سبب الصحة ، كما قال ابن القيم - رحمه الله - .
إلى غير ذلك من الحكم البالغة التي لولا خشية الإطالة لذكرت كثيرا منها .
وسوف أذكر لا حقا قصة وقعت قبل سنوات يتبيّن من خلالها أنه ربما كانت العلة والمرض بل ربما كانت المصيبة سببا في الشفاء بلطف الله سبحانه وتعالى .
الخفافيش يبهرها النور وتأنس بالظُّلْمَة ،
فـ"نور الحق أضوأ من الشمس ، فَيَحِقّ لخفافيش البصائر أن تَعْشُو عنه"كما يقول ابن القيم .ولا عَجَب أن تَرى من الكُتّاب أو من يُحْسَبُون من"المفكِّرين"من أعْمَاه نُورُ الحق فلا يَرى إلا في الظُّلْمَة
لا عجب أن ترى من يُبصر في الظَّلام ، أو يُسمِّي بَلدًا من بلاد الكُفر: بَلَد النور !
وهو بَلَد النور - فِعلًا - بالنسبة له !
لأن من حَمَل صِفَة"الخفّاشيّة"لن يَرى في النور ، بل في الظُّلْمَة ، والظَّلام نور بالنسبة له !
لا عَجَب أن ترى"مُثقّفًا"- زَعموا - يَرى القوّة الكامنة في الضعف البشري !
فَخَيط بيت العنكبوت أوهى من الواهي ! ومع ذلك تَراه هي دِرعًا حصينًا !
ولا عَجب إن تَسَاقَط الذُّبَاب فيه ! فأحاطته العنكبوت بخيوطها !
لا ريب أن الذُّباب سَيَرى القوة في تلك الخيوط الواهية !