هكذا كانوا يُزرون بأنفسهم، ويرون أنهم مقصّرون.
وكم يحتاج المتعالم من هؤلاء إلى وصية عمر رضي الله عنه حينما قال: تفقّهوا قبل أن تُسوّدوا.
ذَكَرَ ابن كثير كلمة الإمام أحمد - رحمه الله: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز، فقال: وقد صدق الله قول أحمد في هذا فإنه كان إمام السنة في زمانه وعيون مخالفيه أحمد بن أبي داؤد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته ولم يلتفت إليه ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان، وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه في خطراته وحركاته لم يُصلِّ عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس وكذلك بشر بن غياث المريسي لم يُصلِّ عليه إلا طائفة يسيرة جدا فلله الأمر من قبل ومن بعد.
قال أبو جعفر الطحاوي كنت عند أحمد بن أبي عمران فمرَّ بنا رجل من بني الدنيا فنظرت إليه وشُغلت به عما كنت فيه من المذاكرة، فقال لي: كأني بك قد فكرتَ فيما أُعطى هذا الرجل من الدنيا؟! قلت له: نعم، قال: هل أدلُّك على خلةٍ؟!
هل لك أن يُحَوِّلَ اللهُ إليك ما عنده من المال و يُحَوِّلَ إليه ما عندك من العلم فتعيشَ أنت غنيا جاهلا ويعيشَ هو عالما فقيرا؟
فقلت: ما اختارُ أن يُحَوِّلَ اللهُ ما عندي من العلم إلى ما عنده، فالعلم غنى بلا مال، وعزٌ بلا عشيرة، وسلطانٌ بلا رجال.
وفي ذلك قيل:
العلم كنزٌ وذخرٌ لا نفاد له *** نِعم القرينُ إذا ما صاحبٌ صحِبا
قد يجمع المرءُ مالًا ثم يُحرمُه *** عما قليل فيلقى الذلَّ والحَرَبا
وجامعُ العلم مغبوطٌ به أبدًا *** ولا يُحاذر منه الفوتَ والسَّلَبَا
يا جامعَ العلم نِعمَ الذُّخْرِ تجمعُه *** لا تعدلنَّ به درا ولا ذهبا
أسأل الله أن يحشرنا في زمرة من أحببنا من أئمة الإسلام وعلمائه العِظام.