ويدل على شدة الضيق وزيادة الضنك كثرة حوادث الانتحار في بلاد الكفار .
وهي نسب متزايدة في كل عام .
لكن من يعيش خارج تلك المجتمعات يرى بريق الحضارة ويعمى أحيانا عن حقيقة حياة القوم ، فهي حياة شقاء في شقاء ، وتعاسة تتلوها تعاسة .
لقد بلغوا شأنا في الحضارة المادية بل لعلهم بلغوا قمة الحضارة المادية ، غير أن ذلك على حساب الروح والأخلاق .
فكلما ارتفعت صروح الحضارة كلما تهاوت القيم والأخلاق والمبادئ .
وصدق الله القائل في محكم التنزيل: ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون )
والمعنى أن الذين آمنوا ولم يُخالط إيمانهم شرك - كما فسّره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم - أن لهم الأمن في الدنيا والآخرة ، الأمن بنوعيه: الأمن النفسي والأمن الحسي .
وهم مهتدون فلهم الهداية في الدنيا والآخرة .
والكافر وإن أمِن في الدنيا فإنه أمان حسي ، وهو ما يكون في الديار ، إلا أنه ليس في أمان نفسي .
وحدثني بعض المسلمين الذين يُقيمون في أوربا أنهم عاشوا سنين مسغبة وفقر عند قومهم لأوربا أول مرة ، وكان أحدهم يرى بعض الكفار ممن انقطعوا عن العمل أو طُردوا منه وعندهم من الأموال ما يكفيهم فكانوا يرون في وجوههم القلق والاضطراب ، بينما أولئك المسلمين يمزحون ويتضاحكون ، وإن أكلوا الخبز الجاف !! وإن طبخوا القهوة في قدر !!
فقلت لهم:
هذا هو الغنى الذي عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس - كما في الصحيحين -
فلو كان لابن آدم أودية الدنيا ذهبا وهو خائف قلق عليها لما تحقق له الغنى النفسي ولما تحقق له الأمن النفسي ..
قديما قيل:
إذا كان الغُراب دليل قوم *** دلّهمُ على جِيَف الكلاب
ولعل من الطريف التقارب بين لفظ الغَرب وبين اسم الغُراب ، والغَرب اليوم يُطلق على دول الحضارة المادّية .