فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 8206

ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول: مسكين فلان غمّني ما جرى له، وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التّشفّي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفّوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.

ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيُظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر والله المستعان.

انتهى كلامه - رحمه الله - بطولِه، وهو كلام نفيس للغاية.

وقال تلميذه ابن القيم - رحمه الله:

الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان كالنميمة والغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وحكاية كلام الناس والطعن على من يبغضه ومدح من يحبه ونحو ذلك، فتتفق قوة الداعي وتيسر حركة اللسان فيضعف الصبر، ولهذا قال لمعاذ امسك عليك لسانك فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. ولا سيما إذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها، ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة، ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتّفكّه في أعراض الخلق، وربما في أهل الصلاح والعلم بالله والدين، والقول على الله ما لا يعلم، وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الإبرة من النجاسة ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام، كما يحكى أن رجلا خلا بامرأة أجنبية فلما أراد مواقعتها قال: يا هذه غطِّي وجهك! فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام، وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن دم البعوض فقال: انظروا إلى هؤلاء يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه على آله وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت