قال الحافظ في الفتح: قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة أو ما ليس فيه مصلحة. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقا، وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين. ويَعِد امرأته بعطية شيء، ويريد إن قدر الله ذلك، وأن يظهر من نفسه قوة.
ثم قال: واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها. اهـ.
وقال الإمام النووي: وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه. اهـ.
فهذا مما راعته الشريعة الغرّاء لما يترتب عليه من المصلحة
فالشريعة لم تُهمل حتى حديث الرجل مع امرأته، أو حديث المرأة مع زوجها
وقد قلت مرة لمحدّثي: لا يكون في حديث الرجل مع امرأته صريح الكذب، فلا تكون من أقصر النساء، فيقول لها: أنت أطول من زرافة!!
فماذا يضير الزوج الحصيف أن يكسب قلب زوجته بكلمات معدودات؟
وماذا عليه لو أذهب عن حليلته التّعب والنّصب بكلمات يطيب معها قلبها
ولو نظرنا في أنفسنا لحرصنا على ذلك
فانظر في نفسك كم للكلمة الطيبة عليك من أثر؟
ماذا لو عملت عملًا ثم قيل لك: أحسنت؟!
وماذا لو عملت عملًا للآخرين ثم لم تُقابل إلا بالصّمت؟!
إن قول: (أحسنت) للمحسن مما يجعله يزيد في الإحسان
ولذا قال عليه الصلاة والسلام: من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
والثناء على المُحسن من حُسن المكافأة، ومِن مُقابلة الإحسان بالإحسان.
ورب كلمة سَلَتَت التّعب وأزالت النَّصَب وأذهَبَت الإعياء!
يُشرّف رب العزة سبحانه بعض الأماكن دون بعض.