فهرس الكتاب

الصفحة 4618 من 8206

فقوله - رحمه الله -: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة ، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة .وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص .وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِرًّا ؛ إن كان ليجئ الرجل وقد نَشَرَ المصحف ، فيغطيه بثوبه . قال الأعمش: كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف ، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة .قال عبدة بن سليمان: كنا في سَريّة مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو ، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَثّمٌ وجهه بكمه ، فأخذت بطرف كمه فمددته ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: و أنت يا أبا عمرو ! ممن يشنع علينا .

قال محمد بن القاسم: صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف: لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني مَلَكاي لفعلت خوفًا من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويُغلق بابه ، ولم أدرِ ما يصنع حتى سمعت ابنًا له صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمُّه ، فقلت لها: ما هذا ؟ قالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه ، وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل فلا يرى عليه أثر البكاء .

وكان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عَبْرَة ، فجعل يتمخّط ويقول: ما أشدّ الزكام .هذا نزر يسير من حرصهم على إخفاء أعمالهم حتى لا يدخلها الرياء ، ولا يجد الشيطان مدخلا إلى نفوسهم .فرحم الله سلف هذه الأمة ما أعظم فقههم وما أدق فهمهم .والله أعلى وأعلم .

(...السؤال...)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت