والمعنى"ليس كُلّ مَن وَسَّعْتُ عليه وأعْطَيته أكُون قد أكْرَمته ، ولا كُلّ مَن ضَيَّقْتُ عليه أكُون قد أهَنْته ؛ فالإكْرام أن يُكْرِم اللهُ العَبدَ بِطَاعته والإيمان به ومَحَبته ومَعْرفته ، والإهانة أن يَسْلُبْه ذلك"كما قال ابن القيم .
ومِن وَرَثَة قارُون مَن إذا عَلَّمه الله عِلْمًا .. وشَبّ وترَعْرَع على نِعَم الله .. كَفَرها .. وجَحَدها
وقال: أنا عِصَامِيّ .. صنعتُ نفسي بنفسي !
وقديما قال أحد هؤلاء:
وإني وإن كُنت الأخِير زَمانه *** لآتٍ بما لم تَستطعه الأوائل
فأراه الله ضعفه وعَجْزه على يَديّ طِفل صغير .. قال له: لقد أتَتِ الأوائل بثمانية وعشرين حَرفًا ، فَأتِ أنتَ بِحَرْف واحِد ! فبُهِتَ الذي تَكَبَّر ! وانْقَطَع الذي تَجَبَّر !
وربما ارْتَقَى الإنسان مُرْتَقًى صَعْبًا ! فادَّعْى مَا ليس لأحَدٍ مِن البَشَر ، كَقول الشاعر:
[ أوْجَدت نَفْسي مِن اللاشي والانعِدَام ] !
ولا يُوجِد مِن العَدَم إلاَّ الله تبارك وتعالى .
فإن كان الشاعر صَادْقًا أنه أوْجَد نفسَه مِن عَدَم .. فَلْيَمْنَع عنها الْمَوْت .. أو لِيَدْفَع عنها البلاء !
وقد يَدَّعِي الإنْسَان ذلك في غيره ، كَقَول الشاعر في مَمْدُوحِه:
[ يصَيِّر مِن الإصْرار مَا لا يصِير ] !
عَجِبْت .. وطال عَجَبِي ! أن يُقال هذا في حَقّ مَخْلُوق لا يَمْلك لِنَفْسه - فَضْلًا عَن غيره - نَفْعًا ولا ضَرًّا .. ولا مَوتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ..
فإنَّ الإنسان عموما لو تسلَّطَتْ عليه بعوضة ! لَمَا اسْتَطاع الْخَلاص مِنها !
كَم مرَّة آذتْه حتى تَورَّم جِلْدُه ؟!وكم مرّة تسلَّط عليه"فَيْرُوس"لا يُرَى بالعين الْمُجرَّدَة .. فطَرَحَه أرْضًا .. وألْزَمَه فِراشه ؟!
وهو - أي الإنسان - مع ذلك يَمْشي على الأرض وهي تَشْتَكِي ظُلْمَه وجَوْرَه !