فهرس الكتاب
الثالث: أن العبد إذاعَمِلَ بشكر الله واتّقاه في هذه الجوارح ، فإن الله يحفظ عليه جوارحه ، وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله ، فوثب يوما وثبة شديدة ، فعوتب في ذلك ، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر .
ولا يكفي الاعتراف بالنّعمة فحسب بل لا بدّ من شكر الله عليها ، مهما دقّت وصغُرت .
ثم لا يتصور العبد أن الله أنعم عليه بهذه النِّعم لكونه أهلًا لها .
قال ابن القيم في قوله تعالى: ( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) قال:
فهو قد اعترف بأن ربَّه هو الذي آتاه ذلك ، ولكن ظن أنه لكرامته عليه فالآيةُ تتضمن ذم من أضاف النِّعم إلى نفسه وعِلْمِه وقوَّتِه ، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه ، وذلك محض الكفر بها . فإن رأسَ الشكر الاعترافُ بالنعمة ، وأنها من المنعم وحدَه ، فإذا أضيفت إلى غيره كان جَحْدًا لها ، فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخُبرة التي حصّلت بها ذلك ، فقد أضافها إلى نفسه وأُعجب بها ، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا من أشد منا قوة ؟! فهؤلاء اغتروا بقوّتهم ، وهذا اغتر بعلمه فما أغنى عن هؤلاء قوتُهم ، ولا عن هذا علمُه .
[ وتضمنت الآية ] ذمّ من اعتقد أن أنعام الله عليه لكونه أهلا ومستَحِقًّا لها ، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه ، وأن تلك النعمة جزاءٌ له على إحسانه وخيره ، فقد جعل سبَبَها ما اتصف به هو لا ما قام بربِّه من الجود والإحسان والفضل والمنة ، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكرُ أم يكفر . اهـ .
وأركان النعمة ثلاثة يجمعها قوله عليه الصلاة والسلام:
من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا . رواه الترمذي وابن ماجه .
والشكر العملي أبلغ من الشكر بالقول