إن أعظم مِنّةٍ امتنّ الله بها على هذه الأُمّة هي بِعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعثته متضمنة تلاوة آيات الله على أتباعه ، وتزكيتهم ، وتعليمهم الكتاب والحكمة ، قال سبحانه: ( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) .
قال الشيخ السَّعدي في قوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِمْ) : أي يُطهّر أخلاقَكم ونفوسَكم بتربيتها على الأخلاق الجميلة ، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة ، وذلك كتزكيتِكم من الشرك إلى التوحيد ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الخيانة إلى الأمانة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع إلى التّحابِّ والتواصل والتّوادد ، وغير ذلك من أنواع التزكية .اهـ
فتسمو النفس بالإيمان بالله ، فلا تلتفت إلى قطّاع الطريق على الله والدار الآخرة ، وإذا سَمَت النفس وارتفعت بالإيمان بالله لم تكن هذه الحياة الدنيا سوى مرحلة تُوصِل إلى الله ، كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقد نام على حصير ، فقام وقد أثّر في جنبه ، فقيل له: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء ؟ فقال: ما لي وما للدنيا ؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها . كما في المسند وجامع الترمذي .
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه وقد كتب إلى بعض إخوانه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله ، والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله ؛ فإنك إذا فعلت ذلك أحبك الله لرغبتك فيما عنده ، وأحبك الناس لتركك لهم دنياهم ، والسلام .
وقال رضي الله عنه: ابن آدم إنما أنت أيام ، فكلما ذهب يوم ذهب بعضك . ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمك . وورد مثله عن الحسن .