فهرس الكتاب
روى الإمام مسلم عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان ، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان ، فإني قد غفرت لفلان ، وأحبطت عملك .
ربما نتعاظم جميعا ما قاله ذلك الرجل !
ونتساءل:
من يستطيع أن يقول كما قال ذلك الرجل ؟
ومن يستطيع أن يُحجِّر واسعًا ؟
أو يحكم على مسلم بالخلود في النار ؟
أقول: مَن يحمل راية التكفير الواسعة يستطيع أن يقول ذلك ، بل لا بُدّ أن يقول ذلك !
ومن يجرؤ على التكفير أو يتساهل في أمره فهو واقع في ذلك لا محالة !
وكيف ذلك ؟
إذا حكم على مُعيّن بأنه كافر فقد حكم بأن الله لا يغفر له ، وقد قال بلسان حاله - إن لم يكن بلسان مقاله -: والله لا يغفر الله لفلان !
وهذا أمر بالغ الخطورة
ولذا قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله:
ولا نُكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه ، ولا نقول لا يضرّ مع الإيمان ذنب لمن عمله .
وشرح هذا القول ابن أبي العز بكلام نفيس في شرح الطحاوية أسوقه بطوله لنفاسته ، وشدّة الحاجة إليه في زماننا
قال رحمه الله في شرح قول الطحاوي المتقدِّم:
أراد بأهل القبلة الذين تقدّم ذكرهم في قوله:"ونُسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي معترفين ، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين"يشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب .
واعلم - رحمك الله وإيانا - أن باب التكفير وعدم التكفير ، باب عظُمت الفتنة والمحنة فيه ، وكثُر فيه الافتراق ، وتشتتت فيه الأهواء والآراء ، وتعارضت فيه دلائلهم ، فالناس فيه في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر ، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم - على طرفين ووسط - من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية .