فهرس الكتاب
وقال الذهبي في الميزان (9) : ليس العمدة في زماننا على الرواة بل على المحدِّثين والمفيدين الذين عُرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين . قال: ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره (10) .
وقال الحافظ العراقي: وكذا ينبغي أن نُقَيِّد السماع من الصبي للحديث بعد أن صار الملحوظ فيه إبقاء سلسلة الإسناد إذا مَشينا على صحته ، وهو المعتمد (11) .
وقال: بل توسّعوا حين صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد لأكثر من ذلك ، بحيث كان يُكتب السماع عند المزِّي وبحضرته لمن يكون بعيدا عن القارئ ، وكذا للنّاعس والمتحدِّث ، والصبيان اللذين لا ينضبط أحدهم ، بل يلعبون غالبا ولا يَشتغلون بمجرّد السماع ، حكاه ابن كثير (12) .
فهذه كلمات الأئمة مُتتابعة في أن الأسانيد في العصور المتأخِّرة لا يُعتبر بها بِقَدْرِ ما تَبْقَى بها سلسلة الإسناد .
فهل خالَفهم ابن الصلاح ؟
هذا الذي تتابع عليه الأئمة هو ما قاله ابن الصلاح ، حيث قال: وَقَدْ فُقِدَتْ شُرُوطُ اَلأَهْلِيَّةِ فِي غَالِبِ أَهْلِ زَمَانِنَا , وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ مُرَاعَاةُ اِتِّصَالِ اَلسِّلْسِلَةِ فِي اَلإِسْنَادِ (13) .
وقال أيضا: وينبغي بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد أن يُبكِّر بإسماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه (14) .
وقال في المسألة الرابعة عشرة: أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بيّنا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه ، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم ، لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم ، وكان عليه من تقدم (15) .
وكم من الأسانيد يتناقلها العلماء إلى زماننا هذا لا يُعرف حال رواتها ، ولا يُعتبر بها .
وبطبيعة الحال لا يُعمل بها ، ولا يُبنى عليها أحكام .
ولذا قال الإمام القاسمي: توسَّع الحفاظ رحمهم الله تعالى في طبقات السَّماع (16) .