قال القرطبي: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يُكثر من ذِكر هاذم اللذات ، ومُفَرق الجماعات ، ومُوتم البنين والبنات ، ويُواظب على مشاهدة الْمُحْتَضَرين ، وزيارة قبور أموات المسلمين ؛ فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قَسَا قلبه ولَزِمه ذَنبه أن يَستعين بها على دواء دائه ، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه ، فإن أنتفع بالإكثار من ذكر الموت وأنْجَلَتْ به قَسَاوة قلبه فذاك ، وإن عظم عليه ران قلبه واستحكمت فيه دواعي الذنب فإن مُشَاهدة الْمُحْتَضَرِين وزيارة قبور أموات المسلمين تَبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول ؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير ، وقائم له مقام التخويف والتحذير ، وفي مشاهدة مَن أحْتُضِر وزيارة قبر من مَات من المسلمين مُعاينة ومُشاهدة ، فلذلك كان أبلغ من الأول ... فأما الاعتبار بِحال الْمُحْتَضَرِين فغير ممكن في كل الأوقات ، وقد لا يَتَّفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة مِن الساعات ، وأما زيارة القبور فوجودها أسرع والانتفاع بها أليق وأجدر ؛ فينبغي لمن عَزَم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ، ويُحْضِر قلبه في إتيانها ، ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط ، فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة ، ونعوذ بالله من ذلك ، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى ، وإصلاح فساد قلبه ... ثم يعتبر بمن صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، بعد أن قاد الجيوش والعساكر ، ونافس الأصحاب والعشائر ، وجَمَع الأموال والذخائر ؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه ، وهَوْل لم يَرْتَقِبه ، فليتأمل الزائر حال مَن مَضى مِن إخوانه ، ودَرَج مِن أقرانه ، الذين بَلَغُوا الآمال ، وجَمَعوا الأموال ، كيف انقطعت آمالهم ، ولم تُغْن عنهم أموالهم ، ومَحَا التراب مَحَاسِن وجوههم ، وافترقت في القبور أجزاؤهم ، وتَرَمَّل مِن بعدهم نساؤهم ، وشَمِل ذُل اليتم أولادهم ، واقْتَسم