قال ابن كثير في تفسير الآية: لَمَّا كَفَرُوا بِمحمد صلى الله عليه وسلم لَم يَبْق لهم إيمان صحيح بأحَدٍ مِن الرُّسُل ولا بما جاؤوا به ، وإنما يَتَّبِعُون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه ، لا لأنه شَرْع الله ودِينه ، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لَقَادَهَم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأن جميع الأنبياء بَشَّرُوا بِه وأمَرُوا باتِّبَاعِه ، فلما جاء وكَفَروا به - وهو أشْرف الرُّسُل - عُلِمَ أنهم ليسوا مُتَمَسِّكِين بِشَرْع الأنبياء الأقدمين لأنه مِن عند الله ، بل لحظوظهم وأهوائهم ؛ فلهذا لا ينفعهم إيمانهم بِبَقِية الأنبياء وقد كَفروا بِسَيِّدِهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم . اهـ .
وليُعْلَم أن الإسلام لَم يأتِ بِقِتَال أهل الكِتاب ابتداء ، بل بِدَعوتهم أولا إلى الإسلام ، فإن أسْلَموا ، فقد اهْتَدَوا ، كَما قال تعالى: (ُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) [البقرة:136 ، 137] .
وإن لَم يُسْلَموا لله ولِم يَنْقَادُوا لِرُسُلِه ، فإن عليهم دَفْع الْجِزية ، لِقوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) .
فإن أعْطَوها فَلَهم الذِّمَّة ، وتُوفَّر لهم الحماية في المجتمع المسلم ، فلا يَجوز الاعتداء على مالِ أحدٍ منهم ولا على دَمِه . ويُقرُّون على أديانهم .
فإن لم يَفْعَلوا هذا ولا ذاك ، أي: لَم يُسْلِموا ولَم يَدْفَعُوا الْجِزْيَة ؛ فقد اختَاروا الْخِيَار الثالث ، وهو الْقِتَال .