فيعلم علم يقين أنه لا اختيار له مع اختيار مولاه وسيّده ومالكه سبحانه وتعالى .
فيتقلّب في البلاء كما يتقلّب في النعماء
وهو مع ذلك يعلم أنه ما مِن شدّة إلا وسوف تزول ، وما من حزن إلا ويعقبه فرح ، وأن مع العسر يسرا ، وأنه لن يغلب عسر يُسرين .
فلا حزن يدوم ولا سرور = ولا بؤس يدوم ولا شقاء
فالمؤمن يرى المنح في طيّات المحن
ويرى تباشير الفجر من خلال حُلكة الليل !
ويرى في الصفحة السوداء نُقطة بيضاء
وفي سُمّ الحية ترياق !
وفي لدغة العقرب طردًا للسموم !
ولسان حاله:
مسلمٌ يا صعاب لن تقهريني = صارمي قاطع وعزمي حديد !
ينظر في الأفق فلا يرى إلا تباشير النصر رغم تكالب الأعداء
وينظر في جثث القتلى فيرى الدمّ نورًا
ويشمّ رائحة الجنة دون مقتله
ويرى القتل فوزًا
قال حرام بن ملحان رضي الله عنه لما طُعن: فُزت وربّ الكعبة ! كما في الصحيحين
عندها تساءل الكافر الذي قتله غدرا: وأي فوز يفوزه وأنا أقتله ؟!
هو رأى ما لم ترَ
ونظر إلى ما لم تنظر
وأمّل ما لم تؤمِّل
المؤمن إن جاءه ما يسرّه سُرّ فحمد الله
وإن توالت عليه أسباب الفرح فرِح من غير بطر
يخشى من ترادف النِّعم أن يكون استدراجا
ومن تتابع الْمِنَن أن تكون طيباته عُجِّلت له
أُتِيَ الرحمن بن عوف رضي الله عنه بطعام وكان صائما ، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني كُفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه ، وإن غطي رجلاه بدا رأسه ، وقتل حمزة وهو خير مني ، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال - أعطينا من الدنيا ما أعطينا ، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلت لنا ، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام . رواه البخاري .
إن أُنعِم عليه بنعمة علِم أنها محض مِنّة
يعلم أنه ما رُزق بسبب خبرته ، ولا لقوة حيلته
فمن ظن أن الرزق يأتي بقوّة = ما أكل العصفور شيئا مع النّسر !
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
لو كان بالحِيَل الغنى لوجدتني = بأجلِّ أسباب اليسار تعلّقي