( قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ )
تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه ليرغبوا في دين الرسل .
قال ابن الجوزي رحمه الله في قوله تعالى (بِمَا غَفَرَ لِي ) :
وفي"ما"قولان:
أحدهما: أنها مع غفر في موضع مصدر ، والمعنى: بغفران الله لي .
والثاني: أنها بمعنى الذي ، فالمعنى ليتهم يعلمون بالذي غفر لي به ربي فيؤمنون ، فنصحهم حيا وميتا . اهـ .
حَمَلَ همّ الدعوة حيًّا وميّتًا
وأراد لقومه الهداية مع ما كادوه به حتى قتلوه
قال الزمخشري:
وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل ، والترؤّف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه ، ألا ترى كيف تمنى الخير لِقَتَلَتِه والباغين له الغوائل ؟ وهم كفرة عبدة أصنام ! ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره ، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة ، وأن عداوتهم لم تُكسِبه إلا فوزا ، ولم تُعقبه إلا سعادة ؛ لأن في ذلك زيادة غبطة له ، وتضاعف لذة وسرور ، والأول أوجه . اهـ .
وقال القرطبي رحمه الله:
وفي معنى تمنيه قولان:
أحدهما: أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته .
الثاني: تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله . قال ابن عباس: نصح قومه حيا وميتا . اهـ .
هذا واعظ وعَظَ قومه حيا وميتا
وآخر وَعَظ أمّه حيًا وميتا
وعزّاها في مصابها بعد موتها
ذلكم هو: ذو القرنين
فإنه كتب إلى أمه كتابًا قبل موته ، وكان في كتابه إليها:
يا أماه ! اصنعي طعاما واجمعي من قدرت عليه من نساء أهل المملكة ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة ، فصنعت طعاما وجمعت الناس ، وقالت: لا يأكل من أصيب بمصيبة قط ، فلم يأكل أحد ، فعلمت ما أراد .