قال ابن القيم - رحمه الله -: ( مبدع الشيء وبديعه ) لا يصح إطلاقه إلا على الرب ، كقوله: ( بديع السماوات والأرض ) والإبداع: إيجاد المبدَع على غير مثال سَبق . انتهى كلامه - رحمه الله - .
وقال شيخه ( أعني شيخ الإسلام ابن تيمية ) - رحمه الله - ( قال عن رب العزة سبحانه ) : مبدعٌ للسماوات والأرض ، والإبداع خلق الشيء على غير مثال ، بخلاف التولد الذي يقتضي تناسب الأصل والفرع وتجانسهما ، والإبداع خلق الشيء بمشيئة الخالق وقدرته مع استقلال الخالق به وعدم شريك له .
وقال - رحمه الله -: وأما مبدع العالم فهو المبدع لأعيانه وأعراضه وحركاته ، فليس له نظير ، إذ هو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله .انتهى كلامه - رحمه الله - .
فالله هو المُبدِع ، وأما المخلوق فَمُبْدَع ( بفتح الدّال ) .
وقد اطّلعتُ على كتاب ألّفه وجمعه مهندس إيطالي ، يعمل في مجال الهندسة الإنشائية المعمارية ، وقد صمم عددًا من أبنية المساجد في أوربا .جمع فيه مؤلفه مجموعة من الصور . وكانت تلك الصور لأشجار وأزهار وحيوانات وقواقع بحرية ... إلخ
ثم أتى بما يُقابلها من بنايات ومناظر جمالية رسمها الإنسان أو خطّتها يد مهندس . وكان من تلك الصور الأخيرة: صور لبنايات ومنها ناطحات سحاب ، صور لمناظر جمالية ، صور لأبراج عالية ، صور لأماكن مختلفة ... إلخ .
ولما يُجري مُقارنة ويُناظر بين الصورتين بأن يجعل الأصل في صفحة ويُقابله بالصورة في الصفحة المقابلة يظهر التقليد وتتبيّن المحاكاة . فالأصل هو إبداع الباري سبحانه . والصورة تقليد الإنسان ومحاكاته .
تعجّبت كيف أن المهندسين لا يُبدعون في شيء مما صمموه ، وإنما يُحاكون ما يرونه في حياتهم اليومية ، أو من عبر نافذة طائرة ، أو من خلال رحلة بريّة ... إلى غير ذلك . فعلمت أن ذلك المهندس الإيطالي كان يستوحي أفكاره مما أبدعه بديع السماوات والأرض سبحانه وتعالى .