وإن كان نقدًا لأجل النقد أو نتيجة حسد لسعي الفتى فإنه ينظر إليه من زاوية أخرى ، ألا وهي إبراز عيوبه بادية أمام عينيه فيتحاشاها ويتلافاها بقدر استطاعته
فهو يسأل ربه أن لا يصرف عنه هذا النوع من الأعداء !
هذا النوع الذي يبحث عن الزّلاّت بالمناظير والمكبّرات حتى يُبصروا القذاة في عيون الآخرين والجذوع في أعينهم مُعترضة لا يرونها !
فـ
"يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذل أو الجذع في عين نفسه"
[ هذا لفظ حديث رواه البخاري في الأدب المفرد مرفوعًا وموقوفًا ، وصحح الشيخ الألباني وقفه على أبي هريرة ، ورواه ابن حبان مرفوعًا - أي من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ]
قال أبو عبيد: الجذل الخشبة العالية الكبيرة
وهم نافسوه فجعلوه يُنافس في كل شرف مروم فلم يرضَ بما دون الثريا
ويرى الشافعي أن النقد - وربما السب - يصقل معدن الإنسان حتى يبدو طيب معدنه وكريم أصله
يخاطبني السفيه بكل قبح = فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما = كعود زاده الإحراق طيبا
فلا تغضب إن حسدوك على حثيث سعيك
فما يُحسد خامل
ولا يُنافِس في المكارم عاجز
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه = فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها = حسدا وبغيا: إنه لدميم !
وترى اللبيب محسّدًا لم يَجتلِب = شتم الرجال وعرضه مشتوم
فسر قُدُمًا - رعاك الله -
سِر وكُن حليما صبورا
سِر وادفن الشر بمقبرة الخير والإحسان !
ألم تر أن الحلم زين مُسوِّد = لصاحبه ، والجهل للمرء شائن
فكن دافنًا للشر بالخير تسترح = من الهم ، إن الخير للشر دافن
ربما كان النقد أمرّ من العلقم ، ولكنه إذا نظر في بواطنه شكر الناقد على نقده
فلم يحمله النقد على الحقد
إذ لا يحمل الحقد سيد في قومه
فإن الذي بيني وبين عشيرتي = وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم = قدحت لهم في كل مكرمة زندا
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم =وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا