إن قائل ذلك القول الذي يُريد مُحاكاة القرآن بِكلام مسجوع ، كَمَن يُريد مُجارة خَلْق الإنسان ، فينظر في أصل خَلْق الإنسان ، وأنه خُلِق مِن طين ، ثم يأتي بِإناء مصنوع مِن فخَّار ويَزعم أنه يُحاكي خَلْق الإنسان !
وأين هذا مِن ذاك ؟
أين خَلْق الإنسان بِسمع وبصر وجوارِح وحواسّ ، وعقل وبصيرة ، من إناء فخَّار جامد ؟!
ثانيا:
إن الله عزّ وَجَلّ لَمَّا أعْجَز العرب تَحدّاهم أن يأتوا بسورة مثله ..
بهذين القيدين:
1 -سورة .
2 -مثله .
مثل القرآن في فصاحته وبلاغته ونَظْمِه وإعجازِه ، وما تضمنته نصوص القرآن ، مما سيأتي الكلام عنه وبيانه .
ولم يَكن يُعجِز فصحاء العرب أن يسجعوا كسجع الكُهَّان !
بل كان فيهم قبل النبوة فُصحاء وبلغاء وشُعراء ، وكان فيهم خُطباء نَطَقُوا بالْحِكْمة ، مثل: قسّ بن ساعدة ، وغيره .
ولم يَكن قول أولئك يشتبه بِِماء جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن القرآن ، ولم يُعارِضُوه بمثل قول أولئك ، مع كونهم أرباب الفصاحة وأهل اللغة .
لأن التحدّي كان بسورة مِن مثل القرآن ، ولم يكن التحدّي بكلام مسجوع .
ثالثا:
لو أخذنا أقصر سورة من سُور القرآن ، وهي سورة الكوثر ، لَوجدنا أنها تضمّنت ما اتَّفَقَت عليه الشرائع السماوية ، وهي مقاصد القرآن الثلاثة - كما يقول الشوكاني -: إثبات التوحيد ، وإثبات المعاد ، وإثبات النبوّات .
فضمير التعظيم ( إنَّا ) إثبات للتوحيد ، وإثْبَات العَطاء ، وأن الله هو المعطي ، إثبات للتوحيد أيضا .
(أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) إخبار عن غيب ، وهو مُتضمّن لإثبات الْمَعاد .
(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) إثبات صِدق النبي صلى الله عليه وسلم الْمُسْتَلْزِم إثْبَات نُبوّته .
فكان ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحقّ والصِّدق ، إذ كان مُبْغِضه وشأنه هو الأبتر المقطوع الذي انقطع ذِكْره .