فاللوم إذًا يَقع على الإنسان الذي رأى الخير والشرّ ثم اختار طريق الشرّ .أرأيت لو أن إنسانًا قيل له: هذا الطريق مَخْوف وخطير ، وذلك طريق آمِن ، ثم اختار لنفسه أن يسلك الطريق الْمَخُوفَة . فعلى من يقع اللوم ؟
هل يقع على الذي أخبره بأن الطريق مَخوفَة ؟ أو على الذي سَلَك الطريق الْمَخُوف ؟
وكما يُقال: بالمثال يتّضِح المقال:لو أن مُدرِّسًا درّس مجموعة من الطلاّب ، ثم عَرَف مستوى الطلاّب ، ثم في آخر السنة كَتَب في ورقة وأخفاها عنده:
هؤلاء يَرسبون ( وكَتَب أسماءهم )
وهؤلاء يَنجحون (وكَتَب أسماءهم )
وكان ذلك بناء على معرفته بمستوى طلاّبِه .ثم جاءت النتيجة كما توقّع المدرِّس . فهل كتابة المدرِّس هذه لها أثر في نتائج الطلاّب ؟ وهل رسوب طالب وإخفاقه في الامتحان يَقع على المدرِّس ، أو على الطالب الْمُهمل ؟
لا شك أن العقلاء يتّفقون على أن كتابة المدرِّس ليس لها أثر على مستوى الطلاب ولا على نجاحهم ورسوبهم .ولا يَقع عليه لوم في كتابته تلك ، وإنما اللوم يقع على الطلاّب الذين أهملوا ، والذين غَفَلوا عن دراستهم .
ولله المثل الأعلى:فالله كَتَب في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض مقادير كل شيء . وكَتَب على الإنسان ما سوف يَعمله ، وهو في بطن أمه ، فكُتِب: رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد . كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
فهذه الكتابة مبنية على عِلم الله السابق ، والذي أحاط علمه بكلّ شيء ، وليست مُجرّد كتابة .
ثم لما خَرَج هذا الإنسان عَرَف طريق الخير من الشرّ ، وعُرِّف إياه بالإضافة إلى ما فَطَره الله عليه من معرفة الخير والشرّ .
ثم قيل له: هذا طريق الجنة ، وهذا طريق النار .
ثم اختار طريق النار .
فلا يقع اللوم على غيره ، وإنما يَقع على من اختار لنفسه ما يضرّها وما يُهلكها .وكل إنسان مأمور بالسعي في فِكاك رقبته وعتقها من النار ، ومأمور بالسعي والجدّ والعمل الصالح .