قال عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجِّع .
وفي رواية: يقرأ وهو على ناقته أو جمله وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءة لينة يقرأ وهو يرجِّع . رواه البخاري .
لقد طأطأت له أعناق صناديد قريش ، وذّلت له رؤوس طالما انتفشت وانتفخت بالكبر والكُفر !
وقبل ذلك حدّث له النصر المُبين في يوم أعزّ الله فيه الإسلام وأهله وأذلّ فيه الكفر وأهله ، في ذلك اليوم المشهود ، يوم بدر .
ولعمر الحق إن كان من شيء يستحق الفرح والبطر إنه لذلك النصر المبين .
إلا أنه لم يُسمع للجيش صراخ وعويل أو بطر وطغيان كما تفعل جيوش الظالمين إذا غَلَبت ، أو حققت نصرًا ولو موهومًا !
ولذا لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقيهم المسلمون يهنئونهم بفتح الله عليهم ، فقال سلمة بن سلامة بن وقش: ما الذي تهنئون به ؟ والله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبُدن المعلّقة ننحرها ! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا ابن أخى أولئك الملا من قريش . رواه الحاكم في المستدرك ، وصححه على إرساله .
فما حملهم النصر والعِزّ على الأشر والبطر ، كما فعلت قريش حين أقبلت إلى أرض المعركة ، فإنها أقبلت بفخرها وخيلائها ، ورجعت بذلِّها وخيبة آمالها !
ولقد كان سلف هذه الأمة ينهون عن الفرح المؤدّي للأشر والبطر
فقد رأى الفضيل بن عياض رجلا يضحك ، فقال له: ألا أحدثك حديثا حسنا ؟ قال: بلى . قال: ( لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ )
وقيل ليوسف بن أسباط: ما غاية الزهد ؟ قال: لا تفرح بما أقبل ، ولا تأسف على ما أدبر . قيل: فما غاية التواضع ؟ قال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدًا إلا رأيت أنه خير منك .
لأن هذه الدنيا طُبِعت على كدر
فما يُفرح به اليوم قد يُساء به غدًا
فقد يولد المولود اليوم ويُفرح به ، وقد يموت غدًا