فهرس الكتاب
وذلك أن الإنسان لا ينفكّ عن العبودية ، فهو عبدٌ شاء أو أبى .
فإما أن يكون عبدًا لله ، وهي عُبودية فخر وعزّ وشرف
وإما أن يكون عبدًا لهواه وشهوته .
فإذا كان عبدًا لله فهو يسير كما يسير هذا الكون في طاعة الله وفق مراد الله ، كما قال الله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) .
فالذي يسجد لله ويخضع له وينقاد لأوامره مُنسجِم مع هذا الكون ، وهو مُكرَم مُكرّم .
ومن لم يكن كذلك فهو نشاز في هذا الكون ، مُهان قد أهان نفسه ودسّاها .
ولا يُفلح إلا من زكّى نفسه بطاعة ربِّه ، وحماها مما يشينها .
قال ابن القيم في فوائد تجنب القبائح:
إحداها:
صون النفس ، وهو حفظها وحمايتها عما يشينها ويعيبها ويزري بها عند الله عز وجل وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه ، فإن من كَرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها وزكّاها وعلاها ، ووضعها في أعلى المحال ، وزاحم بها أهل العزائم والكمالات ، ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل وأطلق شناقها وحَلّ زمامها وأرخاه ودساها ، ولم يَصنها عن قبيح ، فأقل ما في تجنب القبائح صون النفس . اهـ .
ولا تحصل السعادة بطاعة الله إلا بدوام المجاهدة في ذات الله ، فالأعداء كُثُر: النفس والهوى والشيطان .
ووالله إن للطاعة لذّة ، غير أن لذّتها تُورِث سعادة وبَركة وسعة في الرِّزق والصدر .
وللمعصية لذّة ، غير أن لذّتها تُورِث شقاء وتأنيب ضمير وعتاب نفس .
ولذا كان يُقال:
إن أهنأ عيشة قضّيتها *** ذَهَبت لذّاتها والإثم حلّ