فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 8206

كَم نُوَاكِل ونُشَارِب ونُجَالِس أصْحَاب الْمُنْكَرَات .. ولم تَتَمَعَّر وجُوهنا .. أو تَشْمَئزّ قلوبنا مرَّة واحدة ؟؟

قال مَالك بن دِينار: اصْطَلَحْنَا على حُبّ الدُّنيا ، فلا يَأمُر بَعْضُنا بَعْضًا ، ولا يَنْهَى بَعْضُنا بَعْضًا ، ولا يَذَرُنا الله تَعالى عَلى هَذا . فَلَيْت شِعْرِي أيّ عَذَاب يَنْزِل ؟

إنَّ مَا نَرَاه مِن مُنْكَرَات يَجِب أن تَقْشَعِرّ مِنه القُلُوب والأبْدَان ..

وأنَّ نُنْزِل الأمُور مَنَازِلها ، ونَضَع الأشياء في مَوَاضِعِها ، ونَزِن ما نَرَاه ومَا نَسْمَعه بِمِيزَان الشَّرْع ، لا بَمَيزَان الأهْوَاء والعَوَاطِف .

إنَّ القلب الْحِيّ هو الذي اقْشَعَرّ حين اطَّلَع على المنْكَر أو سَمِع به .. فظَهَرتْ آثار تلك القشْعَرَيرَة على الوُجُوه فَتَمَعَّرَتْ وتَغَيَّرَتْ وانْقَبَضَتْ غَضَبًا لله عزّ وَجَلّ .

ذلك أنَّ حَياة القَلْب لا تُقَاس بِما فِيه مِن نَبْض .. وإنَّما يُقَاس بِمَا فِيه مِن مَعْرِفَة الْمَعرُوف ، وإنْكَار الْمُنْكَر ..

قيل عند ابن مسعود رضي الله عنه: هَلَك مَن لَم يَأمُر بِالْمَعْرُوف ويَنْه عن الْمُنْكَر . فقال ابن مسعود: هَلَك مَن لَم يَعْرِف قَلْبه مَعْرُوفًا ، ولَم يُنْكِر قَلبه مُنْكَرا .

وإنما تُقَاس حَيَاة القَلْب بِمَا فِيه مِن إيمان وخَيْر .. وبِرٍّ وتَقْوى ..

ومِن هُنا كان الانْتِفَاع بِالآيَات ، والاتِّعَاظ بالنُّذُر ؛ إنَّمَا هو لأصْحَاب القُلُوب الْحَيَّة

ولِذا لَمَّا ذَكَر الله مَصَارِع الأُمَم ، وهَلاك الْجَبَابِرَة قال بعد ذلك: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ..

وليس الْمَقْصُود بِالقَلْب تِلْك الْمُضْغَة التي في الصُّدُور !

قال في الكَشَّاف: (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: قَلْب وَاعٍ ؛ لأنَّ مَن لا يَعِي قَلْبه فَكَأنه لا قَلْب له . اهـ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت