ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه ، وفيه قسط ونصيب من فعل من عاداه بمعاصيه .
وفي دعاء القنوت: إنه لا يذلّ من واليت ، ولا يعزّ من عاديت .
الفائدة السادسة: أنه يورث القلب سرورا وفرحة وانشراحا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر ، وذلك لقهره عدوه بمخالفته ، ومخالفة نفسه وهواه .
وأيضا فإنه لما كفّ لذته وحبس شهوته لله - وفيها مسرّة نفسه الأمارة بالسوء - أعاضه الله سبحانه مسرّة ولذّة أكمل منها .
كما قال بعضهم: والله للذّة العفة أعظم من لذة الذنب .
ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحا وسرورًا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما ، وهاهنا يمتاز العقل من الهوى .
الفائدة السابعة: أنه يُخلِّص القلب من أسر الشهوة ، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه ، فهو كما قيل:
طليق برأي العين وهو أسير .
ومتى أسَرَت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار:
كعصفورة في كف طفل يسومها = حياض الردى والطفل يلهو و يلعب
الفائدة الثامنة: أنه يسد عنه بابًا من أبواب جهنم ، فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل ، وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول ، فمتى هتك الحجاب ضري على المحظور ولم تقف نفسه منه عند غاية ، فإن النفس في هذا الباب لا تقنع بغاية تقف عندها ، وذلك أن لذتها في الشيء الجديد ، فصاحب الطارف لا يقنعه التليد ، وإن كان أحسن منه منظرا وأطيب مخبرا ، فغض البصر يسدّ عنه هذا الباب الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه .
الفائدة التاسعة: أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته ، فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب ، فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب ، ومُرسِل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه لما أطلق بصره قال الشاعر:
وأعقل الناس من لم يرتكب سببا = حتى يُفكر ما تجني عواقبه