الفائدة الثانية: أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح ، كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه .
الفائدة الثالثة: أنه يورث صحة الفراسة فإنها من النور وثمراته ، وإذا استنار القلب صحّت الفراسة ، لأنه يصير بمنزلة المرآة المجلوّة تظهر فيها المعلومات كما هي ، والنظر بمنزلة التنفس فيها ، فإذا أطلق العبد نظرةً تنفّست نَفسُه الصعداء في مرآة قلبه فطمست نورها . كما قيل:
مرآة قلبك لا تريك صلاحه = والنفس فيها دائما تتنفس
وقال شجاع الكرماني: من عمر ظاهره باتباع السنة ، وباطنه بدوام المراقبة ، وغض بصره عن المحارم ، وكف نفسه عن الشهوات ، وأكل من الحلال لم تخطئ فراسته . وكان شجاع لا تخطئ له فراسة .
والله سبحانه وتعالى يجزى العبد على عمله بما هو من جنسه ، فمن غضّ بصره عن المحارم عوّضه الله سبحانه وتعالى إطلاق نور بصيرته ، فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته ، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته .
الفائدة الرابعة: أنه يفتح له طُرق العلم وأبوابه ويُسهل عليه أسبابه ، وذلك بسبب نور القلب ، فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات وانكشفت له بسرعة ونفذ من بعضها إلى بعض ، ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم ، وانسد عليه باب العلم وطرقه .
الفائدة الخامسة: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته ، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة ، وفي الأثر: إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله . ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذُلِّ القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه .
قال الحسن: إنهم وإن هملجت بهم البغال طقطقت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي قلوبهم ، أبى الله إلا أن يذلّ من عصاه .
وقال بعض الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله .