فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول ، بل إنما يقصد انتفاعه بك ، والرّبّ تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه به ، وذلك منفعة محضة لك ، خالصة من الْمَضَرَّة ، بخلاف إرادة المخلوق نفعك ، فإنه قد يكون فيه مضرّة عليك ، ولو بِتَحَمُّل مِنّته . اهـ .
فالناس - غالبًا - يُريدون انتفاعهم بعلاقاتهم
والخالِق يُريد نَفع خَلْقِه
الله تبارك وتعالى لا تنفعه طاعة الطائعين
ولا تضرّه معصية العاصِين
ما خَلَقَ الْخَلْق ليتكثّرَ بهم من قِلّة
ولا ليتقوّى بهم مِنْ ضَعْف
فهو الغني ذو الرحمة
هو الغني والعِباد هم الفقراء
هو القوي والْخَلْق هم الضعفاء
هو العزيز وهم الأذلاّء
الْخَلْق مُحتاجُون إلى مولاهم
ومولاهم مُستغنٍ عنهم
ومع ذلك يتودّد إليهم سبحانه وتعالى بأصناف النِّعم
ويتبغّضون إليه بالمعاصي
يتحبّب إليهم بِذِكْرِ صفاته ، ويُذكِّرهم إنعامه
بل ويفرح بتوبتهم
قال ابن القيم:
ليس العجب من مملوك يَتذلّل لله ويتعبد له ، ولا يَمَلّ من خِدْمَتِه مع حاجته وفقره إليه ، إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه ، ويتودد إليه بأنواع إحسانه ، مع غِنَاه عنه .
كفى بك عِزًّا أنك له عبد *** وكفى بك فَخْرًا أنه لك رَبّ
خَيْرُه سبحانه نازِل إلى خلقِه
وشرّهم إليه صاعِد
يُتابِع عليهم مِنَنَه
ويُبارزونه بأنواع المعاصي
ومع ذلك يصبر عليهم ويحلم عليهم
"لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل إنه يشرك به ويجعل له الولد ثم هو يعافيهم ويرزقهم"كما في الصحيحين .
يُقيم لهم الحجج والبراهين ، ويُعْذِر إليهم
يُرسل إليهم النُّذُر
ويَضرب لهم الأمثال
لعلهم يفقهون عنه سبحانه
قال سبحانه: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)
وقال: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ)