وروى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّهُ من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة .
حدّث هشام بن عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنهم أن أباه عروةَ بنَ الزبير وقعت في رجله الآكلة ، فقيل ألا ندعوا لك طبيبا ؟ قال: إن شئتم . فقالوا: نسقيك شرابا يزول فيه عقلك ، فقال: امض لشأنك ، ما كنت أضن أن خلقا يشرب ما يزيل عقله حتى لا يعرف ربّه !! فوُضِع المنشار على ركبته اليسرى ، فما سمعنا له حسا فلما قُطِعتْ جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت لقد عافيت .
وما ترك جزأه بالقرآن تلك الليلة .
وكان مرةً في سفر فأصيب عروة بابنه محمد ركضته بغلة في اصطبل فلم يسمع منه في ذلك كلمة ، فلما كان بوادي القرى قال: ( لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ) ثم قال: اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ستة ، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفا وأبقيت ثلاثة ، ولئن ابتليتَ لقد عافيت ، ولئن أخذتَ لقد أبقيت .
قال الوليد بن عبد الملك: ما رأيت شيخا قط أصبرَ من هذا .
أما إنه أعطيَ عطاءً هو خيرُ عطاءٍ وأوسعُه .
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحدٌ عطاء خيرا وأوسع من الصبر .
والتعزية مما يهوّن المصيبة .
مات ابنٌ لعبد الرحمن بن مهدي ، فجزع عليه جزعًا شديدًا حتى امتنع عن الطعام والشراب ، فبلغ ذلك الإمام الشافعي فكتب إليه أما بعد:
فَعَزِّ نفسك بما تُعَزِّ به غيرك ، ولتستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك ، واعلم أن أمضى المصائبِ فقْدُ سرورٍ مع حرمان أجر ، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر ؛ وأقول:
إني مُعَزِّيكَ لا إني على طمع من الخلود ولكن سُنّةُ الدينِ
فما المُعزِّي بباقٍ بعد صاحبه ولا المُعزَّى ولو عاشا إلى حين