فكانوا يتهادونه بينهم بالبصرة .
حضر ابنُ السماك جنازةً فعزَّى أهلها ، وقال: عليكم بتقوى الله والصبر ، فإن المصيبةَ واحدةٌ إن صبر لها أهلُها ، وهي اثنتان إن جزعوا ؛ ولعمري للمصيبة بالأجر أعظم من المصيبة بالميت ، ثم قال: لو كان مَنْ جَزِعَ على مَيِّتِهِ رُدَّ إليه لكان الصابرُ أعظم أجرًا وأجزل ثوابًا .
تَعَزَّ فإن الصبر بالحرِّ أجمل .... وليس على ريب الزمان مُعَوّل
فلو كان يُغني أن يُرى المرء .... جازعا لحادثة أو كان يُغني التذلل
لكان التّعزي عند كل مصيبة .... ونائبة بالحُرِّ أولى وأجملُ
ومما يُخفف من وقع المصيبة أن يتأمل العبد في ذلك الميت:فإن كان صغيرا فربما كان في موته خير له ولوالديه إذا احتسبا الأجر
وربما كان في موته خير لوالديه .
كيف ذلك ؟
تأمل قصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - كيف قتل الخضر غلاما صغيرا حتى قال موسى:
( أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ) ؟
لكن ما خفي على موسى عليه الصلاة والسلام وأظهره الله للخضر هو حقيقة ذلك الطفل لو عاش .
قال عليه الصلاة والسلام: إن الغلام الذي قتله الخضر طُبِعَ كافرا ، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا . متفق عليه .
وهذا ما خشيه الخضر: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا(80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)
وهذا من لطف الله بعباده ، أنْ خلّص أبويه منه حتى لا يُرهقهما طغيانا وكفرًا بالله ، بل أبدلهما خيرا منه وأزكى ، وقد ورد أنه سبحانه أبدلهما به وخلف عليهما جارية ولدت نبيًا أو أنبياء .
فسبحان من بيده ملكوت كل شيء ...
كم في طيّات الأمور من ألطاف اللطيف الخبير ؟
وكم هي العِبَر التي سُتِرت عن العباد ...
ولو كُشِفت لهم حجب الغيب لعلموا علم يقين أن الله أرحم بالعباد من أمهاتهم .
ولأدركوا أن المصائب مِحَنٌ في طيّها منح ٌ.