فهرس الكتاب
ولكن التقوى لها أثر على الجوارح إذا استقرّت في القلب .
الإيمان له حقيقة ، وله ثمار ، وحقيقته ما وَقَرَ في القلبِ ، وصدّقه العمل ، وما عدا ذلك فدعاوى لا مستند لها .
وقد قيل:
وإذا بحثت عن التّقيّ وجدته *** رجلًا يُصدّق قوله بِفِعالِ
وإذا اتّقى اللهَ امرؤٌ وأطاعه *** فيَداه بين مكارمٍ ومَعالِ
وعلى التَّقيِّ إذا ترسّخ في التُّقى *** تاجان: تاج سكينة وجمال
وإذا تناسبت الرجال فما أرى *** نسبًا يكون كصالح الأعمال
وقد حصل ما يُشبه ذلك الفَهْم في زمنِ عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - .
فقد روى عبد الرزاق في المصنف أن عمر بن الخطاب استعمل قُدامةَ بنَ مظعون على البحرين - وهو خالُ حفصة وعبد الله بن عمر - فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر من البحرين ، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامةَ شَرِبَ فسَكِرَ ، ولقد رأيت حدًّا من حدود الله حقًّا عليّ أن أرفعَه إليك .
فقال عمر: من يشهدُ معك ؟
قال: أبو هريرة ، فدعا أبا هريرة فقال: بِمَ تشهد ؟
قال: لم أرَهُ يشرب ، ولكني رأيتُهُ سكران .
فقال عمر: لقد تنطّعتَ في الشهادة .
قال: ثم كتب إلى قدامة أن يَقْدُم إليه من البحرين ، فقال الجارودُ لعمر: أقم على هذا كتابَ الله عز وجل ، فقال عمر: أخصمٌ أنت أم شهيد ؟ قال: بل شهيد . قال: فقد أديتَ شهادتَكَ .
قال: فقد صمت الجارود حتى غدا على عمر ، فقال: أقم على هذا حدَّ الله .
فقال عمر: ما أراك إلا خصما ! ، وما شهد معك إلا رجل .
فقال الجارود: إني أنْشُدُكَ الله .
فقال عمر: لتُمسكنَّ لسانَك أو لأسوأنّك .
فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق . أنْ شَرِبَ ابنُ عمك وتسوءني .
فقال أبو هريرة: إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فَسَلْها - وهي امرأة قدامة - فأرسل عمر إلى هند ابنةِ الوليد ينشُدُها ، فأقامت الشهادة على زوجها .
فقال عمر لقدامة: إني حادُّك .