ولأهمية هذه المسائل فقد أحببت بحث مسألة العقوبات المالية حيث جَرى فيها الخلاف بين الفقهاء ، ولأني لم أرَ من بحثها بحثا مُستقلًا .
وعلاقة هذا البحث بآيات الأحكام أن هناك مَن تناول هذه المسالة في تفسير قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية [الأنفال: 41] (5) .
وهناك مَن تناوله في تفسير قوله تعالى: ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل:126] .
وقد جَعَلتُ البحث في مقدمة وخاتمة ومبحثين .
فالمبحث الأول في تحرير محل النِّزاع .
والمبحث الثاني في حُكم العقوبات المالية .
وإذا خرّجت الحديث ، فإن كان في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيتُ بِذكره لشهرتها ، مُكتفيًا برقم الحديث ، وإليه الإشارة بحرف (ح) .
وإن كان الحديث في غيرهما ذكرت تصحيحه وتضعيفه مما وقفتُ عليه من كلام أهل العلم قديما وحديثًا .
وإن كان الحديث في غير الصحيحين خرّجته من مسند الإمام أحمد والسُّنن الأربع المشهورة ، ولا أخرج عنها إلا لزيادة فائدة .
وأسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، وأن يُلهمنا رُشدنا ، وأن يُجنِّبنا الزلل .
وهذا أوان الشروع في المقصود ، فأقول مُستعينًا بالله:
المبحث الأول
في تحرير محلّ النِّزاع
المبحث الأول: في تحرير محل النِّزاع
اخْتَلَف العلماء في العقوبات المالية ، من حيث كونها باقية أو منسوخة ، بعد أن اتّفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمِل بها .
وفرّق بعض العلماء بين العقوبات المالية وبين الحدود .
قال الشافعي: العقوبات غير الحدود ، فأما الحدود فلا تُعطَّل بِحَال ، وأما العقوبات فللإمام تركها على الاجتهاد (6) .
منشأ الخِلاف:
منشأ الخلاف في هذه المسألة هو:
هل العقوبات المالية منسوخة أو لا ؟
فجمهور أهل العِلم على بقاء العقوبات المالية ، وأنها لم تُنْسَخ .