فصلاة الرجل النافلة حيث لا يَراه أحد أفضل من صلاته في مسجدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، مع كون الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم خير من ألفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام ، كما في الصحيحين .
ولذا كان الصالحون يجتهدون في إخفاء العمل الصالح .
رأى ابن عمر رجلًا يُصلي ويُتابع قال له: ما هذا ؟ قال: إني لم أصل البارحة ، فقال ابن عمر: أتريد أن تخبرني الآن ! إنما هما ركعتان . ولما قال سعيد بن جبير لأصحابه: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قال حصين بن عبد الرحمن: قلت: أنا ، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت . فَذَكَرَ الحديث . رواه مسلم .
فقوله - رحمه الله -: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة ، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة .
وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص .
وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِرًّا ؛ إن كان ليجئ الرجل وقد نَشَرَ المصحف ، فيغطيه بثوبه . قال الأعمش: كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف ، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة .
قال عبدة بن سليمان: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو ، فلما إلتقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَثّمٌ وجهه بكمه ، فأخذت بطرف كمه فمددته ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: و أنت يا أبا عمرو ! ممن يشنع علينا .