فهرس الكتاب
لأن دعوات أولئك الأنبياء على أقوامهم إنما كان بعد أن أمضوا ألأعمار الطويلة والسنين المديدة في دعوة أقوامهم ، ومع ذلك لا يُقابلونهم إلاّ بأقبح الرَّدّ ، وهذا معلوم من قوم نوح ، فقد دعاهم تسعمائة وخمسين عاما ، ونوّع لهم في طُرق الدعوة وأساليب الخطاب ، كما قال تعالى عن نوح: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) ، وأمَرَهم بالاستغفار ، واخبرهم بِموعود الله إذا ما فعلوا ذلك ، فقال: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)، فلمّا استنفد جميع الوسائل وسَلك الطّرق المختلفة في دعوتهم ، فلم يزدهم ذلك إلاّ فرارا ! حينها دعا على قومه ، وهذا موافق لِمَا سبق نقله عن العيني في الدعاء على الكفار والدعاء لهم .
وكذلك دعوة موسى عليه الصلاة والسلام لم تكن إلاّ بعد أن فرعون ومن معه ، وأقام عليه الْحُجج والبيِّنَات ، فَدعا عليهم .
ومع ذلك فالأنبياء إنما يفعلون ذلك بِوحي من الله . هذا من جهة .