كما نقل عن الإمام مالك - رحمه الله - أنه شدّد النكير على من أراد أن يُحرم من المدينة ويُلبّي من بيته فيها . وعدّ الإمام الشاطبي - رحمه الله - الاجتماع عشية عرفة للدعاء في ذلك اليوم بدعة .
ومما قاله الإمام الشاطبي - رحمه الله -: وربما احتجوا على بدعتهم بالجنيد والبسطامي والشبلي وغيرهم ... ويتركون أن يحتجوا سُنّة الله ورسوله ، وهي التي لا شائبة فيها . ونقل الإمام الشاطبي عن الإمام مالك بن أنس أنه أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟
قال: أحرم من حيث أحرم صلى الله عليه وسلم ، فقال: إني أريد أن أُحرِم من المسجد . فقال: لا تفعل . قال: فإني أريد أن أُحرِم من المسجد من القبر . قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة ، فقال: واي فتنة هذه ؟ إنما هي أميال أزيدها ! فقال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إني سمعت الله يقول: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) انتهى .
وهاهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم بين أيدينا فليأتوا لنا بدليل واحد على شرعية هذا العمل على كثرة النوازل في عهده صلى الله عليه وسلم مما ذكرته ومن غيرها . فلم يأمرهم ان يصوموا ليتقووا على مُقاتلة العدو بل أمرهم بالإفطار لأنه أقوى لهم ولا أمرهم بأن يصوموا لما أرسل الجيش إلى مؤتة ولا إلى غيرها .
بل كان يجتهد صلى الله عليه وسلم في الدعاء وربما قنت عند النوازل . والأصل في العبادات أنها توقيفية لا يُعمل منها شيء ولا يُتقرّب إلى الله بشيء منها إلا بما شرع . وإنما تنشأ البدع غالبًا من حُسن النيّة وقصد القُربة
والله تعالى أعلى وأعلم .