أمَا إنه لو اجتهد على والد أو والدة ، أو أخ أو أخت ، ورأى أقربهم إليه ، وأكثرهم تعاطفا معه ، وأحبهم إلى قلبه ، فجعله غَرَضًا لدعوته ، وهدفًا لإصلاحه ، فبدأ به عبر رحلة الألف ميل ، يدعوه ويدعو له .
إن قام في ليل دعا له ، وإن صادف ساعة إجابة أشركه في دعائه
وإن صام وحضر إفطاره لجّ في الدعاء ، وألحّ على الله
فما هي إلا دعوات صادقة ، وجهود مُبارَكة ، فإذا بذلك المدعو يسير في رِكابه ، ويشدّ من أزْرِه ، فيتّخذه عونا له - بعد الله - على هداية بقية الأسرة .
وإذا به قد كسب الرِّهان ، وكسر حاجز الغُربة
ووجد من يُناصرِه ويعضد قوله
وما هي إلا سنوات وبتوفيق الله تكون الأُسرة قد سَلَكَت طريق الهداية ، وربما أصبح اللائم بالأمس على الهدى والاستقامة يلوم على التقصير وضعف الاستجابة !
ووالله لقد رأيت هذا رأي عين !
شاب حجّ البيت فسمع أن من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، فعزم على فتح صفحة بيضاء ، بدأها فور عودته من الحج بأوبة صادقة هدم معها بناء المعصية ، وأقام صروح الطاعة .
وكانت أسرته تلومه أن تشدّد - حسب زعمهم - وما هي إلا سنوات حتى كسر حواجز الغربة ، وأزال حب المعصية ، حتى أصبح - أحيانًا - يُلام على بعض تقصيره - الذي كان يُعدّ بالأمس تشدّدًا - !
ووجد من يأخذ بيده - إن لم يكن بتلابيبه - ليقول له: اتق الله .
ووجد من يُقوّمه إذا اعوجّ
ويشد من أزرِه إذا تذكّر
والمشكلة تكمن أحيانا في اليأس
وأنه لا سبيل لإصلاح من يعيش بينهم
وأنه لا يُمكن أن يهتدوا
وأن قلوبهم تشرّبت حُبّ المعصية كما تشرّبت قلوب بني إسرائيل حُبّ العجل !
ليس أحد أشد من عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قيل عنه: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب !
قيل ذلك مُبالغة في اليأس منه ومن إسلامه !
ولكنه ما لبث أن أسلم فقيل عنه:
كان إسلامه فتحا على المسلمين ، وفرجا لهم من الضيق .