ثم إن طبيعة هذه الحياة الدنيا أنها طُبِعت على كَدَرٍ
جُبِلَتْ على كَدَرٍ وأنت تَرُومُها *** صفوًا من الأقذار والأكدارِ
ومكلِّف الأيام ضِدّ طِباعِها *** مَتَطَلِّبٌ في الماء جذوة نارِ
وإذا رَجَوتَ المستحيل فإنما *** تَبْنِي الرّجاء على شفيرٍ هارِ
فهي لا تصفو لأحد ، ولا تدوم لِمخلوق .
سمع الْحَسَن البصري رجلًا يقول لآخر: لا أراك الله مكروهًا أبدًا . فقال له: دَعَوتَ الله له بالموت ! فإن الدنيا لا تخلو عن المكروه !
وقد وصف الله حياة ابن آدم فقال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) فهو في مَشَقّةٍ ومُكابَدةٍ في دنياه ، كما قال بعض المفسِّرين .
إذًا .. ما هي الحياة الطيبة ؟
وكيف تُوجد السَّعادة ؟
اختلفت عبارات السَّلَف حول معنى الحياة الطيبة .
قال ابن عباس: هي الرزق الحلال .
وقال الحسن: هي القناعة .
وقال مُقاتل بن حيان: يعني العيش في الطاعة .
وقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة .
وقال القاضي البيضاوي: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) في الدنيا يعيش عيشا طيبًا ، فإنه إن كان مُوسِرًا فظاهر ، وإن كان مُعْسِرًا يَطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة وتوقّع الأجر العظيم . اهـ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مَنِ أراد السعادة الأبدية فليلزم عَتَبَة العبودية .
وعلى كلٍّ هي:
حياةُ قلبٍ مؤمن بالله ، راضٍ بقضائه ، مُسْتَسْلِم لِحُكْمِه ، واثق بِوَعْدِه .
والحياة الطيبة ربما يعيشها المؤمن وهو لا يشعر بها ، وربما لا يَجِد لذّتها .
كيف ؟
ربما عاش المؤمن راحة البال ، ووجَد الأمن النّفسي ، لا يُزعجه المستقبل ، ولا يُقلقه ما في غدٍ .
الأمن النفسي من أعظم ما يَمنّ الله به على عبده المؤمن .
ولذا قال سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)